top of page
  • صورة الكاتبملاك الراشد

وشعرت أن لي صديقة..

إن سؤال الصداقة لـمِن أصعب الأسئلة على قلبي إذ مررت بتجاربِ غريبة خرجت مِنها بطرق وحشية وأقولها دوُن مُبالغة إنها كانت طُرقًا وحشية. كانت لي صداقاتِ ثقيلة على روحي، كشيء جاثمُ على القلبِ لا ينزح؛ كُنت فعلًا أشعر بضيقِ في مساحاتي وفرديتي بداخلها، وبرغم أني عرفتُ وأحببت عديدين إلا أن التجارب المؤلمة هي ما تستحوذ الذاكرة. تعلمتُ أن الألم يتركنا بندوبِ وكدمات ورضوض ومشاهدِ راسخة باللاوعي أما الحلاوة فترحلُ دون ندوبِ أو أثرِ يُقتفى، نكادُ لا نتعلم من السعادةِ شيئًا. طيلة حياتي لم أستطع فهم معنى الصداقة الحقّة، وحاولت مرارًا تناسيّ تجاربي السابقة إلا أن اختبار معنى الصداقة من جديد، خارج موطني، أعّادني لإدراجي، لتُلك الغرفة المُعتمة بعقلي، فانتقال المرء لمكانِ غير الذي اعتاده يُرجعه ليعيش طفولته أو تجاربِ أخرى قديمة ظَن بأنهُ قد تجاوزها. هذا ما حدث معيّ على الأقل وهذا ما أدركتهُ للوهلة الأولى حين بدأت أحاول خلق صداقات هُنا وزارتني أسئلة ثقيلة: عمّا أبحث بالصداقة؟ وإن لم أَسعد مرةِ بصداقةِ سابقة فكيف لي أن أثق أن تكوين أخرى سيكن أمرًا مُجديًا؟ وكأن تلك الأسئلة أخذتني رُغما عني لذكرياتِ سحيقة: في الابتدائية، بالصفِ الأول بمريولي الكُحلي وشطيرة الجُبن ومشروب سن توب على حضني أُطالع الفتيات اللواتي خلقنّ صداقات منُذ اليوم الأول أتساءل كيف لأحدهم أن يخلقُ صداقة؟ كيف تبدأ الصداقات؟ أينبغي أن أسألهن عمّا يحبون لأفتح حديثًا ما؟ أم لعلي أرفع الكُلفة قليلًا وأضحكهن ليُحببن شخصيتي؟ زارتني مُجددًا تلك الأسئلة الطفولية البلهاء وأنا في الثلاثين في حِصة اللغة الفرنسية بين نساء مُختلفات الجنسية والثقافات والأعمار لكن وقتها كُنت أعرف أنهُ من الغير اللائق أبدًا أن أسأل إحداهن -مثلما كُنا نفعل ونحن أطفال-: أبودكِ أن نُصبح صديقات؟


وهكذا تأخذني أشياء وتزورني، عصفِ جامحِ كثيفِ يُرهقني بالأسئلة ودون رغبة مني يقودني لعيّش تلك التجارب مرة أخرى. تمنيت -باستمرار- أن يكن بوسعي المضي دونما عبور رحلة البداية والخاتمة التي يُرغمني عقلي على خوضها، لكن ولأني صرتُ أعرف كيف تسير الأمور لم أقاوم وتركتُ عقلي يفيض بذكرياتِ قديمة أثناء ما كُنت أحاول تكوين صداقة ما، لم أنوِ بالطبع تكوين واحدةِ كي أفهم مشاعريّ حيال الصداقة والآخر ولا بنيّة البحث عن إجابات بداخل الآخرين لأني جدُ أسعد برفقة نفسي وبمشييّ الطويل وبما تهبهُ لي العزلة من آفاقِ شاسعة وفرديةِ مُعتقة إنما كانت تأتيني رغبةِ لأتمشى مع صديقة مُقابل البحيرة أحيانًا أو أن أتصل بإحداهن حين أكون مُضجرة لنخرج سويةً في الليل نسهر ونتحادث فبعضِ الثرثرات لا تُفرغها الكتابة ولا المشي وتحتاج لحوارات ونِكات وردود أفعال وأني رغمًا عني أتوق إليها، بيد أن الأمر في البداية كان مُستحيلًا؛ فقد كُنت مُحاطة بنظامِ شديد الرسمية، وبنساء لا يُشبهونني إطلاقًا؛ فطيلة الثلاثة أشهر الأولى بالمعهد كُنا نُخاطب المُعلمة بضمير الجماعة (vous) وهي الطريقة الفرنسية لإظهار الاحترام الشديد للآخر وعادةً ما تُستخدم لوضعِ مسافة كافية بين الاثنين، أما النساء حولي، رغم أنهن مثلي من ثقافات شرقية، إلا أنهن تلتزمن بطباعِ خجولة وشخصيات رزينة للغاية، كما أننا وقتها لم نُجد الفرنسية كفايةً لنتحدث بسهولةِ عن أنفسنّا. لم أنجح بخلق صداقة تلك الفترة وبعد عدةِ مُحاولات شعرتُ بأني أحاول جاهدةِ دون جدوى. استسلمتُ وقتها لما ظننتهُ حقيقة: لن يكن بوسعي أن أُكوّن أيةٍ صداقة طالما أني خارج موطني.


بعد ثلاثة أشهر، غيرتُ معهدي لكوني شَعرت بأني تعلمت كفايّة من طريقة تدريسهم. اخترت معهدًا آخرًا قريبًا من وسط المدينة وذو غُرفِ صغيرة ونظام تعليمي أكثر عصرية من سابقهِ. علَمتنا مُعلمة تُدعى بـ كيتي، التي كُنت أرى بأنها التجسيد الحقيقي لما يعنيه أن يكون المرء كول / cool شعرها أشقرِ قصير ولها وجهِ باسم وعينان دافئتان، تحب كُل أنواع الموسيقا لا سيما الـبنك والروك، وتعرفُ أغلب الروايات والأفلام. أتذكرُ حين خاطبتها لأول مرة بضمير الجماعة، مثلما اعتدت، رمقتني بنظرة تعجب ثم ضحكت وطلبت مني أن أُخاطبها بضمير المُفرد (tu)، تكرهُ كيتي مُخاطبتها ب"مدام" وتُفضل اسمها، علمتنا الفرنسية عبر الحوار وفهم القواعد بطريقة صحيحة كما علمتنا كلمات الشارع البذيئة وكيف نشتم بالفرنسية! كُنا نضحك وقتها كثيًرا لأننا لا نُركز جيدًا ولا نأخذ الملاحظات بدقةِ إلا حين تُعلمنا الشتائم! تحدثنا عن الحُب، والأفلام، والثقافات، والأغاني، والفن، والسياسة. وكنت، كما كان من حولي، لا أطيق صبرًا لأُعبر عن رأيي إزاء موضوعِ ما. تولدنّيّ الفضول لمعرفة التلاميذ أكثر، وأحسست أنهم مثلي، تولدهم الفضول لمعرفتي. تعرفتُ هُناك على أشخاص من البرازيل، وزمبابوي، وكولمبيا، وإيطاليا، وأفريقيا الجنوبية. لم نعرفُ عن ثقافات بعضنا إلا نُزر يسير بيد أن علاقاتنا توطدت فورًا وحَلت صداقتي بهم دون مجهود يُذكر فقد تحدثنا لفتراتِ قصيرة في الصف وأحببنا تلك الأحاديث ومن ثُم بدأنا نخرجُ سوية. هكذا ببساطة. أدركتُ حينها أن الصداقات تنشأ حين أُحيط نفسي بمجتمعِ يُشبهني وبمكانِ يجمعني بتجاربِ الآخرين، وأن الصداقة مِثل الحُب إذا لم تبدأ بشرارة وعفوية وسلاسة فلا جدوى من مُطاردتها. خَلقت صداقات جميلة للغاية بذاك المكان واكتشفت بُعدًا جديدًا لم أختبره من قبل في الصداقة.



خرجنا كثيرًا للمتاحف والمقاهي وللتنزهُ. كُنا نجلس سويةً نتحدث عمّا نُريد أن نكون وعمّا نبحث عنه ذلك لأن قاعات الدراسة تُرجع للمرء رفاهية طرحِ الأسئلة. كانت نوماندي، صديقتي، بحالة اكتشاف دائمة؛ ترغبُ أن تُصبح عارضة أزياء، ومُصممة إكسسوارات ومُقدمة بودكاست. هي تبدعُ بكُل المجالات غير أنها تضل تتساءل عمّا تُريد أن تكن فعلًا. لم يخطر ببالي وقتها أن لا شيء يُهم حقًا طالما أننا كُل يومِ جديدات نكتشف ذواتنا بداخل العالم الذي دومًا عرفناهُ إنما بقواعدِ مختلفة فلا أسماء ولا وظائف تحصر ماهياتنا، بوسعنا أن نكن ما نُريد وأن نخلق ونبتدع أي شيء على الإطلاق! ثمة حُرية مُترفة يعيشها المُغتربون الجاهلون بمصيرهم. شرحت لي نوماندي مرةِ كيف تتخيل مُستقبلها؛ قالت لي إنها تود أن تمتلك بيتًا واسعًا وسط الطبيعة وأنها تُريد أن تُكونّ مجتمعًا يعيش مع بعضهِ بعض: يزرعون، ويرسمون، ويكتبون، ويتعرفون على ذواتهم عبر مُمارسة أساليب حياة أكثر حُرية. وإنها عندئذ ستغدو امرأة ذات بصيرة حكيمة تُساعد الناس بحيواتهم. كان حُلمِ رقيق عبرت لي عنه من عميق مشاعرها. هكذا هي أحاديثنا؛ قريبة وملموسة وكأنما أرى فيها حلم يقظة أحدهم.


- «وأنتِ؟ ما حُلمك؟»

- «كاتبة. تلك أنا!» تخرجُ مني هذهِ الجملة بكثير من اليقين.

- «احرصي إذن على ترجمة كتابكِ لأقرئه». ترد عليّ أخرى.

قالت لي أن هذهِ اللوحة تُعجبها
قالت لي أن هذهِ اللوحة تُعجبها

وإني لأطفو بنفسي خفيفة وأشعرُ بمساحةِ رحبة أكسبُ فيها فرديتي بكُل مرة وإني لأدركُ موقعي بالعالم عبر أحاديثي مع أصدقائي، وعبر إصغائهم لي. وبوسطِ هذا التلحفِ الدافئ يتكوّن بتصوري خيطِ رفيعٍ يُربط الأشياء ببعضها بعض: إنها صورةِ تتراكم وشعورِ فيّا يمتلئ، أفتح باب الغُرفة المعتمة التي تفيض وأنظر لها وهي تسيل، وبدفء صداقة حيّة تموت سابقة. ما عدتُ أشعر بالحدود الضيقة بل بمساحاتِ رحبة مُهيبة، وبفضاءِ بوسعي فيه أن أتوسع وأطفو. فضاء أُأخذ فيّه كما أنا دونما الحاجة لتفسير دوافعي. إني أنا بُكل ما أحمله من تناقضات، وأنايّ هذهِ مقبولة ومحبوبة. هذا الحاضر الذي أُريد وهذهِ هي الصداقات التي أُحب. وبتصدِ أرى تجسد السليل الأخير؛ أدركت أني كُنت سابقًا أوطدُ علاقاتي عبر مشاركة التجارب الحزينة مع الآخر (Trauma Bonding)، وقتئذ كُنا قد جعلنّا من مساحتنا المُشتركة جلسات علاجية استشفائية عبرنّا فيها وأفصحنا بها عمّا خِضناه، سمعت بتلك الصداقات شهقات البكاء أكثر من القهقهات. الحق يُقال إني تجاوزتِ حُزني بفضلِ تلكِ الصداقات إلا أن هذا النوعِ من العلاقات يصعبُ الخروج مِن إطاراتهِ الضيقة. هي علاقاتِ حابسة ذات حدود منيعة بطبيعتها إذ كُلما شعرت بأني اجتزتُ الحزن أو وددت أن أُخلص نفسيّ منه سحبني الآخر ليُرغمي لأعيش معه مرةِ أخرى مرارات ما اجتزته فعلًا، تحولت تلكِ العلاقة من جلساتِ علاجية إلى سجن بأسياجِ مُكهربة كان تغيريّ، واجتيازي، وتوقي للسعادة فيها خطيئة. لم يأخذ الأمر طويلًا لأكتشف أن ما كُنت أعيشه لم يكن صداقة إنما مُعترك أردتُ الفرار منهِ، فلا خير يأتي من علاقةِ يلعق فيها الاثنان جروح بعضهما. كُنت أتوق لأنهض بأي ثمن.


كلفنيّ النهوض الكثير، أدركت أننا أحيانًا نكبر على الأماكنِ والتجارب وعلى الناس أيضًا، وأن لا شيء يفشل وكُل صداقة سابقة انتهت أخرجتني بفهمِ أكبر للعالم، وأن السبيل الوحيد للتجاوز أحيانًا يكّمن بالرحيل وشقِ الجذور فمحاصيلِ الحُزن التي زرعت أبخس من أن تُجنى. أعودُ لأنظر حولي: أني حُرة وهويتي تطفو خفيفة وكأنما حررتها من حصريّة ما، أتنقل وأكون كيفما أشاء، أتذكر إخوتي وصديقتي في الرياض، وأسمع من حولي الكركرات والنميمة اللذيذة والدُخان المبعوث من فمِ إحداهن يُشيدُ بتمردي. قد خاب ظني قبلًا، وقد خيبتُ ظنون آخرين فيني. والحمد لله.. الحمد لله أني فعلت.

Comments


bottom of page